السيد كمال الحيدري

85

معرفة الله

جديرٌ بالذِّكر أنّ الخروج من عالم المادّة بالسفر الأوّل هو تعبير آخر عن إرجاع الحاكمية الأولى إلى وضعها وإلغاء الحاكمية العرضية المجازية التي أبعدت الإنسان عن نوره الأوّل . فالإنسان بطاعته لغرائزه وشهواته وأوهامه وتخيّلاته التي يطلق عليها قوى النفس أيضاً يكون قد حكّم ما من شأنه أن يكون محكوماً وطوّع ما من شأنه أن يكون حاكماً . بعبارة أخرى : إنّ الإنسان في سيره المتدنّي في عالم المادّة والنقص وصدق تبعيّته له يكون قد أبدل مادّة ومضمون السفر الأوّل ( من الخلق إلى الحقّ ) بمادّة أخرى هي ( من المادّة إلى المادّة بالمادّة ) ، وهذا السفر المادّي المحض هو في قبال السفر الثاني الحقّي ( من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ ) . فإذا كان المراد من قولهم ( بالحقّ ) هو كون السالك قد صار وجوده حقّانياً لا شركة للشيطان فيه ، وخلوّ حريم قلبه من الشوب والكدر ، فإنّ ما يمكن أن نستفيده من اصطلاحنا الجديد ( بالمادّة ) هو أنّ السالك في عالم النقص سوف يكون وجوده ظلمانياً لاسيّما في صورة إدمان السير المادّي ، فتلك الظلمة الحالكة تقوّمت بمجموعة نقاط سود أوجدتها ذنوب مختلفة في الكمّ والنوع ، وهذا ما عُبّر عنه روائياً بالنكتة السوداء . عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : « إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء ، فإذا تاب انمحت ، وإن زاد زادت حتّى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً » « 1 » . وغلبة النكتة السوداء على القلب هي ما عبّرنا عنه بحاكمية الظاهر على

--> ( 1 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 271 ح 13 .